الخميس، 27 يوليو 2017

الأدب وفلسفة التاريخ البديل







يعتقد البعض أن الإيغال في التاريخ والفلسفة والواقع يُقرِّب العمل القصصي من الإبداع، متناسيا أن الرواية عمل أدبي، والأعمال الأدبية عمادها الخيال الذي يجعل التعبير عن كل ذلك متاحا لكن بطريقة متفردة، لا تشبه التاريخ وطريقة كتابته المعهودة
التاريخ البديل هو أحد فروع الأدب، المستندة ابتداء إلى التاريخ الحقيقي حتى لحظة -فيصلية- معينة، يتخلى فيها الكاتب عن الحقيقة، ليسلك مساراً آخر موازياً، مجيباً عن سؤال ماذا لو؟


ماذا تعرف عن الحرب الدولية الثالثة التي قامت بين عامي 1885 و1891، والتي اندلعت حين أعلن العثمانيون الحرب على بلغاريا، ليدخل معهم اليابانيون والفرنسيون في الحلف الكبير، في مواجهة تحالف سانت بطرسبرغ الذي ضم بريطانيا والصين والنمسا وروسيا، ولتنتهي الحرب بمعاهدة فرانكفورت التي خضعت بمقتضاها مؤسسات الخلافة للإدارة الفرنسية اليابانية، قبل أن تندلع الثورة الديمقراطية العثمانية وتؤسس لبرلمان عثماني لأول مرة ؟
لا تحاول أن تدعي أنك تعرف أي شيء عنها لأنها في الحقيقة لم تقع أصلًا! نعم، الحرب الدولية الثالثة، مثلها مثل الحرب العالمية الثالثة التي اندلعت عام 2006 حين دخل الروس وأوكرانيا وانتهت باستسلامهم أمام الألمان، هي مجرد واحدة من آلاف القصص والحكايات المنسوجة على موقع ألت هيستوري Althistory، مختصر كلمة التاريخ البديل Alternative History، والذي يقوم على فتح الباب لعشاق التاريخ بتخيّل مسار أحداث مختلف لما جرى على مدار القرون السالفة، ملتزمين بنوع من الجدية والعقلانية في كتابة هذا التاريخ البديل.
تغيير الواقع على ما يبدو قد أصبح أمرًا شبه مستحيل، ودراسة التاريخ أصبحت شديدة الملل، ليدفعا بالبعض إلى اللجوء للخيال، ونسج ما تمنوّا رؤيته بتفصيل مُمِل على الموقع، والذي قد يبدو للقارئ غير الدارس للتاريخ، ولمن لا يعرف ألت هيستوري، تاريخًا حقيقيًا بالفعل.
فماذا لو لم ينتحر هتلر؟ أو لم تُهزم قواته على أعتاب الصقيع الروسي؟ ماذا لو لم يمُت راسبوتين مسموماً؟ أو فشلت عملية اغتيال القيصر النمساوي فرانز فرديناند؟ وليصل بإجابات الأسئلة إلى واقع مغاير تماماً عن الواقع الحقيقي، اعتماداً فقط على حدث واحد جرى تغييره.


يُعد التاريخ البديل فرعاً أدبياً مستقلاً، وإن اندرج تحت الخيال العلمي، إلا أنه يختلف عنه في تتبعه السياق التاريخي الفعلي، حتى ذروة الحبكة، التي يتغير عندها كل شيء.
فالحياة لعبة لا تسمح لنا بتكرارها سوى مرة واحدة، مثلما يقول كونديرا، لكن لطالما فُتن البشر بالبحث عن إجابة هذا السؤال وتضفيره بواقعهم؛ هرباً من مآسٍ حدثت بالفعل، أو استكشافاً لخيارات أخرى "ربما" كانت لتقع.
ومع عدم انتشار الإعجاب بسيناريوهات التاريخ البديل في الأوساط الأكاديمية، دافع المؤرخ البريطاني، نيال فيرغسون، في كتابه "رثاء الحرب: شرح الحرب العالمية الأولى" (The Pity of War: Explaining World War One) عن التاريخ البديل باعتباره أحد السبل المتاحة لدراسة وتحليل ما كان يمكن أن يقع، بالإضافة إلى ما جرى بالفعل، واعتبره إحدى الأدوات المساعدة لتصبح دراسة التاريخ قادرة على التنبؤ بالأحداث المستقبلية بناء على الماضي.
في ذلك الكتاب، يستكشف فيرغسون كيف كان العالم ليبدو لو لم تنهزم ألمانيا في الحرب العالمية الأولى؛ بحسب زعمه، كانت أوروبا ستشهد نظاماً شبيهاً بالاتحاد الأوروبي في 1914، يمكنه دفع القارة إلى الرفاه والرخاء، بعيداً عن ويلات الحرب.
بالإضافة لذلك، كانت ستظل بريطانيا إمبراطورية ذات هيمنة اقتصادية على العالم بأسره.

التاريخ البديل في خيال البشرية


وبعيداً عن الأوساط الأكاديمية، ألهبت هذه الفرضيات المحتملة خيال البشر، والأدباء بشكل خاص. منها رواية الرجل في القلعة الشامخة (The Man in the High Castle)، وتعد إحدى أشهر روايات التاريخ البديل، وتتناول السؤال الذي أثار فضول البشرية، ماذا لو أن العالم لم يشهد انتحار هتلر واندحار قواته أمام الحلفاء؟
تدور الرواية، التي كتبها فيليب ديك، حول الحياة في عالم انتصرت فيه قوى المحور، وقُسمت فيه أميركا الشمالية بين النازيين واليابانيين، بينما تغير وجه العالم بأكمله، حيث خضعت دول الشرق الأوسط جميعها للسيطرة النازية.


s

لم يكن الأدباء فقط من اهتموا بإعادة نسج التاريخ وفقاً للاحتمالات؛ إذ سمح الإنترنت لمزيد من الناس بطرح رؤيتهم للمسارات البديلة، عبر عديد من المواقع، مثل Althistory، وUchronia وغيرها، أما أبرز السيناريوهات البديلة للتاريخ التي كتبها مستخدمو الإنترنت، فجاء بعضها مثل الآتي:

عالم بلا هتلر


في الحرب العالمية الأولى، فقد هتلر العديد من رفاقه في معركة يبريس الأولى، التى نشبت بين القوات الألمانية وقوات الحلفاء في يبريس البلجيكية.
ربما رصاصة طائشة كان بإمكانها تغيير مسار التاريخ.
يستكشف هذا المسار التاريخي البديل وجه العالم بلا هتلر، يرى مستخدمو الموقع أن مقتل هتلر لم يكن ليغير شيئاً في الحرب العالمية الأولى، لكن بعد سنوات سيظهر أثره واضحاً في غياب هتلر عن المشهد السياسي الألماني؛ فبغيابه، سيبقى حزب العمال الألماني (الذي أصبح الحزب النازي لاحقاً) حزباً صغيراً، ولن تقع محاولة انقلاب بير هول، التي أكسبت الحزب بعض الشهرة، وأودت بهتلر إلى السجن لعدة سنوات.

1983: حكمة بيتروف ويوم القيامة


في 26 سبتمبر/أيلول 1983، كان الضابط ستانيسلاف بيتروف المناوب في أحد مراكز الإنذار المبكر التابعة للاتحاد السوفيتي، التي تتمثل مهمتها في تحذير النظام الروسي من أي هجمات نووية.
في ذلك اليوم، أطلق نظام الإنذار إشارة تحذيرية بإطلاق الولايات المتحدة لأحد صواريخها، وتبعه إنذار ثانٍ وثالث، حتى وصل عدد الصواريخ إلى خمسة موجَّهة إلى الاتحاد السوفيتي.
قرر بيتروف وقتها تكذيب هذا الإنذار، وخالف التعليمات الواضحة، التي تلقَّاها بنقل هذه المعلومات إلى الرتب الأعلى بأسرع ما يمكن.
بعد بعض الوقت، تأكد أنه إنذار كاذب بسبب عطل في نظام الإنذار، لقد نجا العالم من كارثة نووية محتملة. لكن، ماذا لو اتبع بيتروف التعليمات الصارمة التي تدرب عليها؟


s
هذه هي نقطة الارتكاز، التي بدأ رواد الإنترنت منها لصنع تاريخ بديل على موقع Althistory، في ذلك العالم الموازي، ينقل بيتروف التحذير للقادة مباشرة، الذين قرروا إطلاق ردهم النووي في غضون بضع دقائق، وبحلول الوقت الذي عرفوا فيه أنه إنذار كاذب، كان الوقت قد أصبح متأخراً، لقد لقي حوالي مليار شخص حتفهم، تبعهم مليار آخرون بسبب التبعات البيئية للأسلحة النووية.
عقب ذلك الحادث، تحول العالم لنسخة شبيهة لما بعد المحرقة النووية، وسط انتشار الجوع والأمراض، تبخر حلم البشر بالوحدة بينهم، ولم تظهر أي بارقة للسلام، سوى بعد ثلاثين عاماً مع تأسيس "عصبة الأمم" عام 2008.

حرب الشرق الأوسط الكبرى


يستكشف مستخدمو الإنترنت الفرضيات المحتملة التالية لحرب الخليج الأولى بين العراق وإيران في المنطقة.
في ذلك التاريخ البديل، شهدت السنوات التي تلت الحرب نمو الناتج المحلي الإجمالي العراقي حوالي 23% سنوياً، قبل أن يتراجع إلى 2% بحلول عام 1992، عقب وصول أسعار النفط إلى أدنى مستوياتها؛ ما أدى إلى تصاعد التوتر بين الدول العربية الآسيوية المشاركة في منظمة الأوبك، وفي الوقت نفسه، تصاعدت التوترات بين لبنان وسوريا وإسرائيل، بالإضافة إلى اندلاع الحرب بين شمالي وجنوبي اليمن.
أفضت تلك العوامل المتشابكة إلى نشوب الحرب بين بعض الدول العربية، مثل سوريا والعراق والأردن ولبنان من ناحية، وإسرائيل من ناحية أخرى، مدعومة بقوات التحالف، التي ضمت قائمة طويلة من الدول، على رأسها الولايات المتحدة والمملكة المتحدة، بالإضافة إلى بعض الدول العربية، مثل مصر والمغرب. بدأت تلك الحرب إثر قصف القوات السورية للمواقع الإسرائيلية في لبنان، والرد الإسرائيلي الذي تلى ذلك.
تصاعدت نار تلك الحرب مع تطور الأحداث، وانضمام الدول تباعاً إلى الجانبين، وشهدت استخدام الأسلحة النووية، وخلَّفت ملايين القتلى، إلا أنها خلَّفت كذلك دولتين: واحدة إسرائيلية وأخرى فلسطينية.
تبقى الفرضيات المحتملة عند كل لحظة تاريخية لا تُحصى، لو أن هذا فقط قد جرى بطريقة أخرى، لربما كان العالم مكاناً أغرب مما نتخيل.

الخميس، 13 يوليو 2017

الحروب ألغبية في التأريخ الانساني

ﺍﻟﺤﺮﺏ ﻫﻲ ﻣﻤﺎﺭﺳﺔ ﻟﻠﺴﻴﺎﺳﺔ، ﻟﻜﻦ ﺑﺄﺳﻠﻮﺏ ﻣﺨﺘﻠﻒ، ﻣﺨﻀﺐ ﺑﺎﻟﺪﻡ. ﺗﻘﻮﻝ ﺍﻟﻘﺎﻋﺪﺓ ﺍﻟﺬﻫﺒﻴﺔ : ﻳﺠﺐ ﺃﻥ ﻳﻜﻮﻥ ﻟﻜﻞ ﺣﺮﺏ ﻫﺪﻑ ﺳﻴﺎﺳﻲ ﻭﺍﺿﺢ ﺗﺴﻌﻰ ﺇﻟﻰ ﺗﺤﻘﻴﻘﻪ. ﺍﻟﺤﺮﺏ ﺍﻟﺘﻲ ﻟﻴﺲ ﻟﻬﺎ ﻫﺪﻑ، ﺃﻭ ﺃﻥ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﻬﺪﻑ ﻟﻴﺲ ﻭﺍﺿﺤﺎً ﻭﺿﻮﺡ ﺍﻟﺪﻡ ﻭﺍﻟﺘﻀﺤﻴﺔ، ﻫﻲ ﺣﺮﺏ ﻏﺒﻴﺔ، ﻭﻋﺮﺿﺔ ﻟﻠﻔﺸﻞ
عندما تُذكر الأسباب التي دعت إلى إشعال الحروب، سيحضر في ذهنك تلقائيًا أسبابٌ منطقيَّة، مثل النزاع على الموارد، واحتلال الأرض، أو تحريرها، أو حتى السعي وراء المجد، والشهرة، وخلف هذه الأسباب سنجد العديد من التحليلات المعقَّدة، والتي تتناسب مع ما تخلِّفُهُ الحرب من قتلى، ومصابين، وخسائر مادية بالغة، ولكن عند مطالعتنا كتب التاريخ نفاجأ بالعديد من الحروب، التي وقفت وراء قيامها أسبابٌ يمكن وصفها بالتافهة والغبية.

1- حرب أذن "جنكينز"


ترجع نقطة بداية هذه الحرب عندما ألقت القوات الإسبانية القبض على قبطان سفينة إنجليزية تجارية يدعى الكابتن "جنكينز" عام 1731 وقامت بالإساءة إليه، ومعاملته بعنف، إلى درجة أن القائد الإسباني قطع أذن "جنكينز" وأخبره أن ملك إنجلترا سيلاقي نفس المصير، إذا سولت له نفسه الحضور لمنطقة الكاريبي، والتجارة في ممتلكات إسبانيا.
وبعد إطلاق سراح "جنكينز" احتفظ بأذنه المقطوعة في وعاء من الكحول، وعاد إلى إنجلترا، وذهب إلى الملك جورج الثاني ليخبره بالأذى الذي أصابه، ولكن الملك لم يهتم في بداية الأمر، مما جعل "جنكينز" يضطر إلى نشر قصته في إحدى المجلات المشهورة، وظل يرويها أثناء تجواله على المقاهي حاملًا معه أذنه المقطوعة.
ونجح في عام 1738، أن يعرض شكواه داخل مجلس العموم البريطاني، فاستمع له البرلمانيون الذين استثارهم منظر أذنه، وتمت مخاطبة إسبانيا لتعتذر عما فعلت، ولكن لم يكن هناك أي رد، ولذلك ضغط البرلمان على رئيس الوزراء لإعلان الحرب على إسبانيا، وفي 23 أكتوبر 1739 اندلعت الحرب التي سميت بحرب "أذن جنكينز"، وبعد بدايتها تحولت إلى حرب بين تحالفين وليس دولتين، فشاركت فيها النمسا، وفرنسا، وبعض الدول الأخرى، وهذا يجعل المختصين يبحثون وراء الأسباب "الحقيقية" التي جعلت تحالفين كبيرين يتحاربان. وقد انتهى القتال بتوقيع معاهدة "إكس لا شابل" في 1748.

2- حرب طيور الإيمو


لم تكن هذه الحرب بين البشر بعضهم البعض، ولكن بين بشر وحيوانات، ففي نوفمبر/تشرين الثاني عام 1932، انتشرت طيور "الإيمو" في أستراليا بشكلٍ خارج عن السيطرة، حيث وصل عددها إلى ما يقرب 20 ألف طير، كانت تنطلق بلا أي قيود في الصحراء الاسترالية، وتقوم بتخريب المحاصيل الزراعية، مما استدعى إرسال الجيش الأسترالي لقوة من الجنود المسلحين لإنهاء وجودهم.
ولكن الأمر لم يكن سهلًا، فقد نجحت الطيور في إظهار مرونة كبيرة أمام أسلحتهم، فرغم مقتل 2500 طائر منها، إلا أن معظمها نجحت في الهروب وتجاوز الجنود المسلحين، وبعد استمرار الحرب لأسبوع، يئس قائد القوة العسكرية من إبادة الطيور، وقرر الانسحاب.

3- حرب الكلب الضال


بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى، كانت العلاقات بين اليونان وبلغاريا متوترة للغاية، وأصبحت الأجواء مهيئة لتجدد الحرب بينهما مرة أخرى ولو لأتفه الأسباب، وبالفعل حدث ذلك في يوم 22 أكتوبر/تشرين الأول 1925، عندما كان يلاحق أحد الجنود اليونانيين كلبه الهارب، والذي تجاوز الحدود إلى بلغاريا، واستمر الجندي في مطاردته للكلب مما أدى إلى قتله رميًا بالرصاص على يد خفير بلغاري.
وأثارت الحادثة القوات اليونانية والتي قامت في اليوم التالي بغزو بلغاريا واحتلال عدة قرى، وكانت على وشك قصف مدينة "بيتريتش"، ولكن عصبة الأمم تدخلت وأدانت الهجوم، وشُكلت لجنة دولية للتفاوض، نجحت في وقف إطلاق النار، بعد وقوع 52 قتيلًا.

4- حرب كرة القدم


دارت رحى هذه الحرب بين دولتي هندوراس، والسلفادور، ولا يمكن اعتبار كرة القدم هي السبب الرئيسي لاشتعال الحرب، فالأمر أعقد من ذلك بكثير، حيث تعود جذور الأزمة إلى مطلع الستينيات عندما قررت حكومة هندوراس حظر امتلاك الأراضي على مواطني السلفادور، وطردهم، وقطع العلاقات الدبلوماسية مع دولتهم.
ولكن قرعة تصفيات بطولة كأس العالم لكرة القدم عام 1970، جمعت الدولتين في مواجهة كروية حاسمة، فازت فيها السلفادور وتأهلت لاستكمال التصفيات، وبنهاية المباراة كانت الدولتان قد نشرتا قواتهما على طول الحدود، وبدأت الحرب بانتهاك طائرة عسكرية من هندوراس أجواء السلفادور وإطلاقها النيران على كتيبة عسكرية هناك، مما أدى لقيام السلفادور برد الهجوم.
وبعد خمسة أيام من القتال، قامت فيهم قوات هندوراس بدك أكبر مدن السلفادور بالقنابل، نجحت جهود الوساطة الدولية، إلى جانب مجهودات لجنة خاصة من منظمة دول أميركا الجنوبية، في وقف الحرب.

5- حرب الفطائر


يرجع سبب اندلاع هذه الحرب إلى تعرُّض محل فطائر يمتلكه فرنسي في مدينة "مكسيكو" للنهب، بعد وقوع أعمال شغب في المدينة، في عام 1828، وتجاهل المسؤولين في المكسيك شكواه التي يطلب فيها تعويضه عن الضرر الذي أصابه، مما دفعه إلى التماس المساعدة من الحكومة الفرنسية.
وظلَّت شكواه لفترة طويلة دون أي استجابة، حتى التفت إليها الملك "لويس فيليب"، والذي كان غاضبًا من فشل المكسيك في سداد القروض التي عليها، مما جعله يطالب ملك المكسيك بدفع 600 ألف بيزو لتعويض صاحب محل الفطائر عن خسائره، وعندما رفضت المكسيك دفع التعويض، قام بإعلان الحرب، والتي بدأت في أكتوبر/تشرين الأول 1838، وانتهت في مارس/آذار 1839، بعد توسط الحكومة البريطانية وتوقيع اتفاقية سلام بين الدولتين، كانت إحدى بنودها إلزام حكومة المكسيك بدفع مبلغ التعويض الكبير.

6- حرب الدلو


قامت هذه الحرب عام 1325 في إيطاليا، بين اثنتين من مدنها المستقلة آنذاك وهما مودينا، وبولونيا، وكانت البداية بقيام فرقة من جنود مودينا بالهجوم على مدينة بولونيا وسرقة دلو خشبي كبير، والعودة به إلى مدينتهم، مما أثار غضب سكان بولونيا واعتبروه إهانة لهم، وأدى هذا الموقف لاشتعال الحرب بين المدينتين، والتي استمرت اثني عشر عامًا، ورغم هذه المدة الطويلة إلا أن بولونيا لم تتمكن من الحصول على الدلو، وما زال حتى اليوم معلقًا في برج الجرس بمودينا.

7- حرب البارغواي


كان رئيس البارغواي "فرانسيسكو سولانو لوبيز"، معجبًا بشدة بالقائد العسكري نابليون بونابرت، ويحاول طوال الوقت أن يقلده في جميع نواحي حياته، حتى بقي أهم جانب وهو شجاعة نابليون وخوضه لحروب كثيرة، فقام "لوبيز" بإعلان الحرب في عام 1864 على الدول الثلاثة المجاورة للبارغواي، وهي الأرجنتين، والبرازيل، وأوروغواي، وكانت النتيجة كارثية إذ تشير التقديرات إلى أن 90% من رجال البارغواي ماتوا خلال هذه الحرب، وبلغ إجمالي عدد الضحايا 400 ألف قتيل من الجانبين، وفي النهاية لم يكن هناك أي حل لوقف القتال، سوى اغتيال هذا الرئيس الأحمق عام 1870.

الجمعة، 7 يوليو 2017

ابطال من التاريخ



نستعيد ذاكرة التأريخ ونتصفح ملفات القادة والمشاهير لنعرف مواقفهم وادوارهم وكيف ساهموا في صناعة التاريخ ويذهب بعض الباحثين في علم التاريخ إلى أهمية تفسير التاريخ ووقائعه وأحداثه وفقاً لجهود الأبطال أو الأفراد أو ما يسمى بدور "الرجل العظيم"، وهذا المفهوم أقدم من التفسير اللاهوتي للتاريخ، ففي مصر القديمة وبلاد ما بين النهرين والصين، لم يكن الملك "الحاكم" سوى هذا البطل، فكان فراعنة مصر يقومون بطقوس سحرية يعجز عن ممارساتها غيرهم، لدرجة أنهم يسعون لتوفير الرخاء لرعيتهم ويدفعون الشر والبلاء عنهم، ومن هنا كانت النظرة إلى الملك "الفرعون" بتخليد ذكراه بكل الوسائل من آثار معمارية ضخمة وتماثيل ومسلات وغيرها.
وفي بلاد اليونان تعلم الناس في مدرسة هوميروس (عاش نحو القرن 8 ق.م) تمجيد البطولة الفردية، وكان هيرودوت (عاش في القرن 5 ق.م) في مقدمة المؤرخين الذين اهتموا بتخليد البطولات.
الجدير بالذكر أن تقدير الفرد العظيم انسحب مع الوقت من الحكام والملوك ليمتد إلى الحكماء والقانونيين الذين قاموا بسن تشريعات وقوانين لصالح المجتمع، ومن ذلك تشريعات حمورابي (1750 - 1792 ق.م)، وسولون (638 - 558 ق.م) في أثينا، وحتى في عصر النهضة الأوروبية وهو عصر التحرر من العصور الوسطى، بقي تمجيد دور الفرد والملوك الحاكمين. وفي مطلع القرن التاسع عشر أصدر المفكر الاسكوتلندي توماس كارليل (1795 - 1881م) كتابه "الأبطال وعبادة البطولة" وهو دراسة أدبية وتاريخية للبطولة، وقد أوضح فيه أن التاريخ العالمي إنما هو في صميمه تاريخ العظماء وإنجازاتهم، وقد انتقد الكثيرون آراءه وقالوا إن البطل هو ابن عصره، أي أن عصره هو الذي جعله وأوجده، وبذلك يجب عدم الخلط بين إنجازات العصر وإنجازات الفرد، وليس معنى ذلك التقليل من دور الزعماء والعظماء في التاريخ، وإنما يجب دراسة هذا الدور في إطار المجتمع والظروف التي أحاطت به، فهناك تأثير متبادل بين الفرد والبيئة التي نشأ وعاش بها.
وقد اختلف أصحاب هذا المفهوم في تحديد قائمة هؤلاء الأبطال، لاختلاف المعايير لدى كل منهم في فهم البطولة، كما تعرضوا لانتقادات شديدة؛ لأنهم يسلكون طريقاً سهلاً للتفسير ولا يجهدون أنفسهم في سبيل التعرف على العلل والأسباب الحقيقية وراء هذه الأحداث والوقائع، والحقيقة أن المذهب الفردي في تفسير التاريخ، على الرغم من أنه يعطي أهمية أساسية لدور البطل فإنه يضطر إلى الاعتراف بأن الفرد "البطل" لا يستطيع وحده أن يصنع تاريخاً، ولا يستطيع ذلك إلا بقيادته لجماعة وبقبول الجماعة لهذه القيادة.

التأريخ غير المكتوب

من المثير أن ما نظنه تعارضا بين الكتابة والشفاهية ليس سوى وهم لا وجود له فى الحقيقة : ذلك أن الشفاهية كانت ، ولا تزال ، الأصل فى نشر العلم والمعرفة . فقد عرف الإنسان التخاطب المباشرعن طريق الشفاهية قبل أن يتوصل إلى اختراع الكتابة فى الحضارات المختلفة التى عرفها الإنسان طوال رحلته ولا يزال التأريخ الشفاهي فاعلا في ثقافة الجماعات البشرية الموجود في اماكن متفرقة من العالم وعرف العربُ منذ القِدَم التاريخ الشفهي الذي يعتمدُ رواياتِ شهودِ العيان، وهي الطريقة البدائية البكر لمحاولة معرفة الزمن والأحداث، فلم تكن لديهم عادة كتابة التاريخ لغياب الأسباب والدّواعي الملحّة لذلك، فالأشعارُ التي تتحدث عن بطولات قبيلة ضد أخرى، أو تتحدث عن معركة أو بعض الخصال، كانت تفي بالغرض، هذا النمط الثقافي العربي تلخّصه العبارة التي قالها عمر بن الخطاب رضي الله عنه: "كان الشعر علمَ قوم لم يكن لهم علم أصحّ منه"، فمنها يتضّح أن الشعر كان ديواناً للعرب، وفيه تسجيل لمآثرهم ومثالبهم وأمثالهم وأيامهم وأخبارهم.


من الواضح أن أهمية التراث الشفاهي، واستعماله كمصدر تاريخي، تزداد في الآونة الأخيرة، ويلقى رواجاً في الأوساط العلمية، ولعل ما أخر دخول التراث الشفاهي إلى دائرة التاريخ أن المؤرخين ينظرون إلى ذلك التراث نظرة غير جدية، ويعّدونه ضرباً من الفنون الشعبية التي لا يمكن الركون إليها. إلا أن التاريخ الشفاهي مصدر من المصادر المهمة التي يجب أن تؤخذ بعين الاعتبار، فهي توضح وضع المجتمع، وكيف يرى أصحاب ذلك المجتمع أنفسهم، والصورة التي يرسمونها لأنفسهم أو يضعون أنفسهم داخل إطارها، فعندما نفكر في التاريخ، نفكر غالباً بالكتب التي تملأها الأسماء والتواريخ والأحداث، إلا أنه هناك الكثير من الناس، من المحتمل أن يعرفوا الكثير من الأحداث التاريخية، لكنهم لم يعمدوا إلى تدوينها، فهم يستطيعون الإخبار عن تجاربهم الحياتية، مثل أين كانت نشأتهم؟ وكيف كانوا يحصلون على قوتهم (الطعام)؟ هذه المعلومات مهمة جداً بالنسبة لتاريخ الفرد، ويمكنها أن تبين كيف يحدث تغيير الثقافة عبر مرور الزمن.إن مكونات التاريخ الشفهي هي مكونات التراث الشعبي من: الحكايات، والقصص، والسير الشعبية، والأمثال والحكم، والغناء، والشعر، ومن البديهي أن التاريخ الشفهي لا يُعنى بالترتيب الزمني للأحداث أو تسلسلها، فرواة التاريخ الشفهي لم يحفلوا بالتحديد الزمني، فهذا التاريخ يحكي عن أخبار جرت رأى الناس أنها مهمة دونما اهتمام بتحديد وقت الحدث.

هذه المادة مع إخضاعها للبحث والنقد التاريخي، ووضعها في سياق بيئتها الاجتماعية والتاريخية والجغرافية، يمكن أن تسد بعض الفراغ التاريخي، وتفسر بعض الظواهر الاجتماعية، فتعطينا صورة حية للماضي، أو تجعل الماضي حياً ينبض أمامنا.

في الحقيقة إن التاريخ الشفهي يسد كثيراً من الثغرات التاريخية التي سكتت عنها المصادر، كما أنه يعطينا تاريخاً للجماعات والقرى التي لم تتناولها المصادر التاريخية أساساً، أو أن ما ورد بشأنها كان طفيفاً.

ويمكن القول بأن التاريخ الشفهي هو عمل "طارئ" ينقذ الشهود والأحداث والحكايات من الاختفاء والتلاشي، فموت الشاهد يعني موت الحكاية التاريخية وتفاصيلها، وموت جزء من حقيقة الحدث بطبيعة الحال.

ونرى أن الرواية الشفهية عندما تتوافر فإنها تُثري الرواية التاريخية الموثقة وتعطيها بعداً إنسانياً فيه آمال وآلام، وليس مجرد سرد للوقائع والأحداث بطريقة لا حركة فيها ولا شعور

فنون الشعوب وتعريف folk lore

الشعبي هو الفلكلور، مجموعة من القصص والأغاني والأساطير والموسيقي والأمثال والعادات مجهولة المؤلف أو المنشأ، فبطريقة ما، من ألفها ليس شخصًا بعينه لكن شعبًا بأكمله ,
كلمة (Folk) تعني الشعب أو الناس، وكلمة (Lore) تعني المعرفة أو الحكمة، فتكون الترجمة الحرفية لكلمة (Folklore) تعني "حكمة الناس أو المعرفة الشعبية".

وقد وُلد مجال علم الفولكلور (Folkloristics) ﻓﻲ أوربا ﻓﻲ القرن التاسع عشر باﻻرتباط مع ظهور النزعة القومية، وقد ركز علماء الفولكلور اﻷوائل دراساتهم على الفلاحين ﻏير المتعلمين ﻓﻲ المقام اﻷول بهدف تتبع الأصول البعيدة للعادات والتقاليد العتيقة، ومع مرور الوقت تيقظ العالم إلى الأهمية العظيمة لهذا الموروث الاجتماعي الذي لا يقل أهمية عن اللُقى الأثرية المادية (كالتماثيل، والأبنية)، فلذلك اتجه العلماء إلى حفظه وحمايته من الضياع باعتبارﻩ يضم بقايا آثار ماض آخذ في التلاشي.

ومع ذلك، فإن الدراسات التاريخية ظلت فترة طويلة تخاصم الموروثات الشعبية، وتترفع عن الاستعانة بها. وبسبب غطرسة المؤرخين، الذين تصوروا أن الوثيقة المكتوبة هي عماد البحث والدراسة التاريخية، ظلت الموروثات الشعبية، بكل أشكالها وأنماطها، بمنأى عن الدراسات التاريخية زمناً طويلاً.

بيد أن التطورات التي ألمّت بمجال الدراسات التاريخية دفعت بالمؤرخين إلى الاعتراف المتزايد بما طال السكوت عنه في الموروث الشعبي الذي يقدم لنا رؤية جمعية للحقيقة التاريخية، فالتاريخ في شكله الكلاسيكي برجوازي النزعة؛ إذ يؤرخ دائماً لحياة الملوك والعظماء والفاتحين والأحداث الهامة.
أما الفولكلور فهو سجل لتاريخ المجتمعات الشعبية (تاريخ الشعوب) العريضة، كما تمثله أحداث العامة الأقل جهارة، وهو بما يحويه من مأثورات شعبية معينة، يشكل نواميس اجتماعية تعبر عن علاقة إنسانية مع البيئة والمجتمع ويؤكد بها ذاته، وشخصية الأمة التي ينتمي إليها؛ لذا برزت أهمية اعتماد المؤرخ على الموروث الشعبي بجانب مصادره التقليدية، لاستيعاب الظاهرة التاريخية ورسم صورة كلية لها.

إن دراسات الفولكلور ﻫﻲ مجال معرﻓﻲ متعدد الأبعاد، يتكون من الشق الشفهي: الفنون القولية، أو الأدب الشعبي (الشعر الشعبي، والحكاية، والمثل، واللغز، والنادرة، والأحجية، والسير، والمدائح، والموسيقى وأغاني العمل، والأعياد والمناسبات الاجتماعية، والرقص والحركات التعبيرية، والطقوس والمعتقدات -السحر، والتعاويذ، والجان، والرموز الرقمية، والألوان، ودلالات الجسم الإنساني، والعادات والتقاليد (المتعلقة بدورة الحياة: الولادة، والزواج، والوفاة)، والمعارف (كالطب الشعبي)، والتصورات حول (الجمادات، والنباتات، والحيوانات)- أما الشق المادي: المنتجات المادية المحسوسة كالثياب المطرزة والحلي (الزي الشعبي) وأدوات: الموسيقى، والطبخ، والحصاد، والأبنية والمساكن، والحرف الشعبية، ومجمل مستعملات الحياة الشعبية بشقّيها الروحي والمادي.

يتضح الآن أن الفولكلور يرتبط بحياة الشعب ارتباطاً وثيقاً، بطقوسه وعاداته وتقاليده، وعلى صفحته تنعكس خصائص مختلف المراحل التاريخية؛ لذلك نشاهد علوماً أخرى ينصب اهتمامها على الفولكلور بوصفه علم اللغة والأدب والأجناس والتاريخ.. إلخ.

ويتناول كل علم من هذه العلوم دراسة الفولكلور من وجهة نظره، فعلم اللغة يتناول الكلمة في الفولكلور، وتاريخ اللغة التي تتراءى فيه، وعلاقتها باللهجات.
أمّا الأدب فيدرس السمات العامة للفولكلور والفرق بينه وبين الأدب، وعلم الموسيقى يدرس العناصر الموسيقية والمسرحية في الفولكلور، وعلم الأجناس يتعرض لدور الفولكلور وآثاره في حياة الشعوب وارتباطه بالطقوس والتقاليد، وعلم التاريخ يبحث في الوعي الشعبي لتفهم الأحداث التاريخية التي يعكسها الفلكلور بصفته ذاكرة وهويّة للأجيال

مخلفات الحضارات واعادة كتابة التأريخ



التاريخ والأركيولوجيا علمان شقيقان، وان كان فارق السن بينهما كبيراً. التاريخ كهل وقور. موفور التجربة واسعها، ومتمكن من مركزه العلمي وتراثه البحثي المتراكم الذي يعود للآلاف من سني المتابعة والتدوين. أما الأركيولوجيا فهي صغيرة السن نسبياً، عملية متحمسة للتجربة والبرهان، وملطخه القدمين بتراب الحفريات. وقد مر التاريخ منذ نشأته كعلم على يد الأغريق بتحولات جمة، بعضها كان جذرياً وبعضها الآخر عرضياً وطارئاً. فمن أصل اسمه الأغريقي Historie، الذي عنى في بادىء الأمر "المعرفة عن طريق الاستقصاء"، تطور التاريخ ليصبح "دراسة الماضي والبحث فيه
أعتبر علم الأركيولوجيا (l'archéologie l'archéologie) الحفريات أو الأثريات من العلوم الحديثة التي اهتمت بإعادة البحث عن الحقائق التاريخية المرتبطة بالعصور الماضية، فقد نجحت الأركيولوجيا في تغيير نظرة الإنسان إلى ذاته وإلى تاريخه الماضي، بحيث لم تعد معرفة التاريخ مرتبطة بروايات شفوية أو شهادات قابلة للزور؛ بل أصبحت دراسة الماضي تعتمد على معطيات تجريبية ومخلفات كل حقبة، فيتم تأسيس الحدث التاريخي على ما وجد من آثار تدل على كل حدث أو واقعة تاريخية.
هذا الشكل من "الأركيولوجيا" بدا تأثيره واضحاً على العلوم الإنسانية منذ منتصف القرن العشرين، فالمنهج الأركيولوجي الحفري التفكيكي يقصد به البحث المعمّق في متون الوقائع، أو الوثائق التاريخية، وقراءتها مجدداً، قراءة مختلفة بشكل عمودي، سواءً باستخدام أدوات البحث المعاصرة والمستحدثة، أو باستحضار المرونة في الذهن، والقدرة الاستيعابية المنفتحة، على آفاق النص ومكنوناته، دون الانغلاق على صورته التقليدية، ومدركاته الموروثة الشائعة.
في ظل هذا المنهج أصبحت المعرفة التاريخية تتسم بكثير من العلمية والعقلانية في معالجة وقائع الماضي، فطرح المؤرخون أسئلة جديدة بعدما تبين لهم محدودية الوثيقة المكتوبة في كتابة التاريخ، وتم الانتقال إلى تصور جديد في كتابة التاريخ يقوم على النقد والدراية بدل السرد والرواية، وصار من الممكن كتابة تاريخ الشعوب التي ليس لها تراث مكتوب ومدون، خاصةً بعد ظهور "الأركيولوجيا - الجديدة" التي تربط في دراستها بين المخلفات المادية وغير المـادية في ثقافات الشعوب.
إن المنهج الأركيولوجي الحفري يتصفح الوقائع والأحداث، ويعيد قراءة النصوص بعمق وفق رؤية تفكيكية تحليلية لكشف ما وراء الظاهر من النص من حقائق قد تكون أغفلتها مجلدات التاريخ التقليدية.

وعليه فإن هذا المنهج المعرفي من البحث المعمّق، يقدم آفاقاً دراسية منهجية، تسمح بكسر الجمود الفكري، بهدف التنقيب والتعرية المعرفية لإحياء النصوص وكشف المسكوت عنه في متون التراث العلمي.

ورغم أنه من الناحية العلمية تظل نتائج هذا المنهج قابلة لتأويلات عديدة، فإنه نفض الغبار وأزال السِّتار عن عُيُوب المنهج التاريخي التقليدي، وقدم للإنسانية مدخلاً جديداً لفهم كثير من الحقائق المطمورة، واستطاع أن يصحح تصوراتنا حول حضارات وشعوب كانت في الغالب مرتبطة بالحكايات الأسطورية والخرافية.

التأريخ واشكالية التأويل


يتمثل موضوع هذا التدوينة، تحديداً، في مناقشة مستفيضة للأجوبة المقدمة، من قبل التيارات التأويلية على اختلاف منطلقاتها، للتساؤل التأويلي الذي أعاد طرح الإشكالية المتمثلة في كيفية ( فهم التاريخ ) من جهة أولى، وطرح مشكلة ( تاريخية التأويل ) من جهة ثانية. وبالتالي فإن مثل هذا الطرح الإشكالي يولد بدوره الكثير من التساؤلات المهمة من قبيل: كيف نفهم الوثائق أو النصوص التاريخية المنحدرة إلينا من التراث ارتبطت التّاريخانيّة بشكل وثيق بالفيلسوف الألماني Herder Johann هردر 1744 - 1803 الذي رفض الأخذ بالأفكار التي نادت بها فلسفة عصر الأنوار "القرن 18" حول فكرة التقدم التي تطبع تاريخ البشرية، وأن المرحلة التي يصلها التاريخ ما هي إلا تراكم للخبرات السابقة عن مضمون التقدم، إلا أن الكلمة من إبداع كارل فرنر 1879 في معرض تعريفه لفلسفة Giambatista Voco فيكو 1668 - 1744 الذي أكد أن العقل البشري لا يدرك إلا ما يصنع، أي المنشآت التي تكون العالم التاريخي.

التّاريخانيّة (Historicisme) أي التاريخ كمبدأ وحيد لتفسير كل الظواهر المرتبطة بالإنسان، وهدفها كشف قوانين التطور والتغيّر الاجتماعي، وفهم التبدلات الحضارية الكبرى في تاريخ الإنسان، وهي في حقيقتها اختراق فلسفي لعلم التاريخ ولمجاله العام، الذي كان حكراً على المؤرخين أنفسهم في وصف الماضي، والاكتفاء بسرد أحداثه بتسلسلها الزمني المنتظم، من أقصى نقطة في الماضي السحيق، إلى الزمن المعاش، كما فعل المؤرخون المسلمون، وهذا السرد يكون إجمالاً بحياد المؤلف، ويُعرض من دون تمحيص أو نظر فلسفي.
ويرى عبد الله العروي (مفكر وروائي وكاتب مغربي) "أن التّاريخانيّة هي فلسفة كل مؤرخ يعتقد أن التاريخ وحده العامل المؤثر في أحوال البشر، بمعنى أنه وحده سبب وغاية الحوادث"، فالتاريخاني يركز جهوده على تحديد العلة النهائية؛ أي ما يتجاوز الخاص والفردي في التطور ومسيرة الحضارة الإنسانية، لاستخلاص ما هو عام وكلي مما هو متكرر في الأحداث والوقائع التي لا تعد ولا تحصى، للوصول إلى ماهية ثابتة أو مبدأ مفسّر لحركة التاريخ.
وعلى هذه الأرضية تضع التّاريخانيّة الإنسان في قلب العملية التاريخية؛ إذ تستحضر الماضي بشكل مستمر لتستمد منه اللحظات المضيئة في تاريخ كل جماعة لتحقق التغيير بواسطتها، فالحركة الإنسية في عصر النهضة قد استحضرت التراث القديم، والإصلاح البروتستانتي استمد أصول فكره من المسيحية الأولى.
وحسب منهج التّاريخانيّة فإننا لا نستطيع الحكم على الأفكار أو الحوادث أو المفاهيم والمعتقدات والأديان ونظم الجماعات، إلا بنسبتها للوسط التاريخي الذي ظهرت فيه؛ إذ النظر إليها من ناحيتها الذاتية يوقعنا في التباسات اختزالية مقيتة، بينما نسبتها للوسط التاريخي ستضعها في إطار المعالجة والرؤية الموضوعية لخصائصها وتركيبها ومظهرها؛ لذا فلا مناص من ضرورة النسبة الحتمية للتاريخ؛ إذ سر كل شيء وروحه هو التاريخ، مصداقاً لقول كارل ماركس: "لا علم إلا التاريخ".
إن الحتمية التي تعني أن الشروط نفسها تؤدي إلى النتائج نفسها، يسهل ملاحظتها والتأكد من فاعليتها عندما نكون إزاء ظواهر طبيعية أو أشياء مادية، أما عندما يتعلق الأمر بالظواهر والحالات النفسية والاجتماعية، فإن تطبيق مفهوم الحتمية كثيراً ما يتعذر، ذلك لأن وقوع سبب معين لا يؤدي دائماً إلى حدوث نفس النتيجة في مجال النفس والمجتمع.
لذا فقد وجهت عدة انتقادات للتّاريخانيّة، كان أبرزها في الفكر المعاصر Karl Popper كارل بوبر 1902 - 1994 الذي قدم أعمق مساهمة نقدية لأسسها المعرفية، بدأها بالسؤال: هل هناك خُطة للتاريخ، وإذا كانت هناك خُطة فما هي؟ وانتهى فيها إلى أن التّاريخانيّة خطأ من أقصاها إلى أقصاها، فالتاريخاني يرى أن التاريخ مثل مجرى الماء، مثل النهر الجاري، ويعتقد أنه يستطيع أن يتوقع أين يمر الماء، التاريخاني يعتقد أنه أكثر ذكاء، إنه يرى الماء ويتصوّر أن بإمكانه أن يتكهن بالمستقبل، هذا الموقف خاطئ كلية، فبإمكاننا أن ندرس التاريخ كما نشاء،
لكن هذه الفكرة الخاصة بالنهر ليست أكثر من مجاز ولا علاقة لها بالواقع وبالحقيقة، يمكن أن ندرس ما مضى، لكن ما مضى قد انتهى، وانطلاقاً من هذا فإننا لسنا في المستوى الذي يسمح لنا بالتنبؤ بأي شيء كان، نتابع الاتجاه وعلينا فقط وببساطة أن نتحرّك وأن نحاول جعل الأشياء أفضل، فاللحظة الحاضرة هي اللحظة التي انتهى فيها التاريخ، فليس بمقدورنا أن ننظر إلى المستقبل ونحن نعتقد أنه بإمكاننا أن نتكهن به بفضل المجرى أو الاتجاه

نادي ﻫﺎﺭﻟﻴﻢ ﻏﻠﻮﺑﺘﺮﻭﺗﺮﺯ

ﺑﻌﺪ ﺃﻛﺜﺮ ﻣﻦ 91 ﺳﻨﺔ ﻣﻦ ﺍﻟﻌﺮﻭﺽ ﺍﻟﺘﻲ ﺭﺳﻤﺖ ﺍﻟﻀﺤﻜﺔ ﻋﻠﻰ ﻣﻼﻳﻴﻦ ﺍﻷﺷﺨﺎﺹ، ﻋﺮﺽ ﻣﺤﺘﺮﻓﻲ ﻛﺮﺓ ﺍﻟﺴﻠﺔ ﺍﻷﻣﺮﻳﻜﻴﺔ ﺍﻟﺸﻬﻴﺮ فريقي المفضل ،  ﻫﺎﺭﻟﻴﻢ ﻏﻠﻮﺑ...